رحلةُ قطار

للسفر بالقطار شيءٌ من الشاعرية، فهو مُلتقى الأحبة في الأُغنيات، وبداية الأحداثِ في الأفلام ومُنتهاها أيضًا!

السفرُ بالقطار -وعلى عكس الطائرة المُكتظّة- يُعطيكَ الفُرصة لمراقبة الركاب الآخرين، ويدعوكَ لاختراع القصص لهم ولرحلاتهم..

في رحلة القطار الطويلة، وبعد أن ترتشف قهوتك الساخنة، وتقرأ صحيفتك أو كتابك، وبعد أن تنظر من النافذة، وتعبث بهاتفك المحمول وكل أجهزتك الالكترونية الأخرى، ستلجأُ إلى رُفقاء الرحلة لتنسج القصص عنهم قبل أن يُغالبك النعاس وتستيقظ قبل وصولك إلى وجهتك المحددة بلحظات!

في الرحلات الطويلة، يتغير رُفقاء القطار من محطة إلى أُخرى، وأنتَ المسافرُ من المحطة الأولى إلى الأخيرة تجلس في مقعدك المجاور للنافذة وتتأمل..

ترى أولئك الذين ما إن يصلوا إلى مقاعدهم يُغمضون أعينهم ليناموا قليلا قبل أن يصلوا إلى حيث يريدون..

وترى تلك التي كانت قد قررت أن تستغل زمن الرحلة للاستذكار لاختبارها القادم، لكنها وجدت بجانبها طفلة لم تُتح لها الفرصة لفعل ذلك!

وبينما أنتَ تتأمل، تجد جيرانك في المقعد مُستعدين للرحلة بأدوات التسلية الخاصة بهم، فيخرجون مجموعة من أوراق اللعب ليبدأوا لُعبتهم التي لن تنتهي عند محطتهم الأخيرة..

وتجد ذلك الذي قضى رحلته مُتحدثًا في هاتفه مع والده في الجهة الأخرى من العالم ويشرح له كيفية الاعتناء بوالدته المريضة، ويعده بزيارة قريبة قادمة.

تصلُ إلى محطة ما، يبدأ رُكابُ القطار بالتغيُّر، ويكاد فتيانِ يافعان أن يُضيّعا محطتهما المنشودة لأنهما لا يُصدقان أختهما الصغرى والتي أخبرتهما أنهم قد وصلوا..

يتحركُ القطارُ ثانيةً.. 

يَشغلُ المقاعد المقابلة لمقعدك أربعُ عجائز يرتحلن سوية، يتحدثن بصخب، ويضحكنَ بأصوات عالية..

يتبادلن أحمر الشفاه الصارخ الجديد الذي اشترته إحداهنّ ليجربنه جميعًا

ويحكين القصص عن أحفادهن..

رحلتهم قصيرة، يُخرجن قبعاتهنّ الأنيقة قبل المحطة القادمة لينزلن فيها استعدادًا لمغامرتهنّ القادمة..

يتحركُ القطار..

هذه المرّة المقصورة هادئة

من حظ تلك الراكبة الوحيدة أنه ليس هناك من يجاورها..

استغلّتِ الفرصة، وبدأت بإخراج كُتبها وقاموسها، وكومة من الأوراق المكتوبة بخط اليد بلغةٍ غير مألوفة وراحت تُكمل كتابة روايتها..

تتحول بنظرك عنها، وتبحث عمن يُمكنكَ أن تحكي معه..

فحكاياتُ القطار للغرباء، تحكي لهم أجزاءً عشوائية منك، وتستمع إلى حكاياتهم..

وحين يصل القطار إلى محطته الأخيرة، تترجل حاملا متاعكَ، تاركًا تلك الحكايات، وأولئك الرُفقاء الذين ودعتهم، والذين لن تلتقي بهم غالبًا، لتتذكرهم في رحلاتك القادمة، وحكاياتك القادمة.

والآن، أين هو القطارُ التالي؟

Advertisements

About Afnan Amer

A Medical Intern who likes to think of herself as curious, ambitious, and a Book worm with interest in documentaries and dependence To-Do lists. A believer in social responsibility and the volunteering culture. You were not taught how to talk to remain silent!
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s