الأسئلةُ أولًا قَبلَ الإجابات

في زمن أصبحت المعرفة فيه على بعد ضغطة زر و محرك بحث أصبح السؤال أكثر من أي وقت مضى أهم من الإجابة، فالسؤال الصحيح يقود إلى الإجابة الصحيحة، والتساؤلات العميقة هي الخطوة الأولى للبحث عن الطريق.

للأسف، كبرنا على أخذ كثير من الأمور على عِلّاتِها بَل وعلى عدم التساؤل حولَها إلى الحد الذي أصبَحَ التّفوه ببعض التساؤلات من المحرمات برغم أنها تدور في الكثير من الأذهان، وبرغم أن التساؤل والبحث فطرة بشرية، فلايمكن للبشر أن يتوقفوا عن التساؤل والتفلسف، بل إنّه في علم الفلسفة هناك حاجة دينية للتساؤل قائمة من مبدأ أن الإنسان لايستطيع أن يتوقف عن التفكير في مبدأه ومعاده.

كلنا نعرف قصة سلمان الفارسي وكيف تَحَوَل من المجوسية إلى المسيحية، وَجِّدُهُ في البحث عن الحقيقة حتى تنقل بين ثلاثة من الأساقفة، يسألُ كلا منهم قبل وفاته أن يدله على من يجد لديه الدين الصحيح، حتى قاده بحثه ذاك إلى المدينة ليقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سَمِعَ به وبنبوته، وَعَرَفَ علامات تلك النبوة، فآمن بعد بحثٍ وَعن علم فكان إيمانه رَضِيَ الله عنه إيمانًا قويًا لَم يَنهَهُ عنه كَون والده من كبار قومه -المجوس- في أصفهان، ولا صحبته للأساقفة المسيحين قبل إسلامه، فَقَدّم الأجوبة التي وجدها بعد بحثه على تراث الآباء والأجداد، ومااعتاد عليه لسنين طوال.

سلمان الفارسي رضي الله عنه في بحثه كان يحاكي سيدنا إبراهيم عليه السلام في شكه في صحة آلهةِ قومه، وتساؤله عن حقيقة الإله، وحين قصَّ القرآن الكريم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام بدأ بالآية:

“وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ”

 وقد فسر السعدي الآية  بـ ” ليرى ببصيرته، ما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، فإنه بحسب قيام الأدلة، يحصل له الإيقان والعلم التام بجميع المطالب.” وجاءت مُحاجّتُه ودعوته لقومه بعدها وقد وصل أعلى درجات اليقين.

الأسئلة الكبرى التي تبدأ بـ (لماذا) غالبًا ماتقود صاحبها إلى بحث عظيم ، إن تجرأ على السؤال! هل يمكن أن تكون أسئلتنا أكثر جرأة من أسئلة أبونا إبراهيم رضي الله عنه أو سلمان الفارسي رضي الله عنه؟ وهل يمكن أن تكون الحقائق التي قد نتعثر بها أكثر سطوعًا من حقيقة الإيمان التي كانوا يبحثون عنها لنعدَّها من المحرمات؟

الأسئلة الكبرى -ياسادة- لا يلزم أن تكون عن الإيمان فقط لتستمد عظمتها، فكثير من الأشياء التي هي من  المسلمات بالنسبة لنا، لها معانٍ وحكمٌ أكبرُ وأعظمُ مِن (هكذا علمونا) وهذه الحكم تنتظر منا أن نجتهد لنعرفها، فالمعرفة لا تأتي لتطرق الباب، المعرفة موجودة لمن يبحث عنها، أما التكاسل في السعي لطلب المعرفة والإجابات، والاعتماد على منهج التقليد وطريقة “إنا وجدنا آباءنا على أُمة” بلا هدى ستقود صاحبها إلى الاستيقاظ يوما والتساؤل عن سبب اتباعه لهذه الطريقة، وقد يقرر في تلك اللحظة إما ان يبحث عن السبب او يتخلى عن تلك التقاليد المتوارثة بلا هدف!

الباحثُ الجادُ في بحثه غالبًا سيصل إلى جوابٍ صحيح إذا أحسَن طَرح الأسئلة، وإحسان طرح الأسئلة يستلزم أولًا الابتعاد عن عقلية المُقلد والتابع، فتلك عقلية تدفن الأسئلة ولاتولّدها، لذلك لاتهاجموا أصحاب الأسئلة، وإن خرجت عن المألوف أحيانًا، دعوهم يسألون!

على الرغم من أن القرآن يحضنا على التساؤل في كثير من آياته، إلا أن الخطاب الديني اليوم يشعر بحساسية مفرطة تجاه هذا الأمر، ويعتبر المتسائلين حول بعض القضايا الدينية الحساسة مارقين من الدين، ثم إنه يعتمد في أطروحاته على تفاسير الأولين وشروحاتهم للنصوص المقدسة، والتي كانت نابعة من فهمهم آنذاك بما يتناسب مع ظروفهم ومستوى المعرفة في زمانهم، ولذلك فإنه يعجز، عن تقديم أجوبة مقنعة لبعض التساؤلات الكبرى التي يطرحها المسلمون اليوم حول القضايا الدينية. لقد صرنا في حاجة إلى تفاسير وشروحات جديدة للقرآن والسنة، ممتدة من التفاسير القديمة العظيمة، ولكنها ليست ملزمة بكل حرف ورد فيها، حتى يحدث التقارب المرجو بين النصوص الشرعية وبين عقول الناس وتطلعاتهم واحتياجاتهم العصرية،فالأنساق الفكرية اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل ألف عام.

-ياسر حارب                                                                                                                                                                                           

أن تعرِفَ ماتفعله، ولماذا تَفعله، ومالحكمة أو الهدف من هذا الفعل، لايرسخ الإيمان بأهمية الفعل فحسب، إنما يعطيه بُعدًا أعمَق، ويبعده عن آلية “أداء الشعائر” إلى “الاستشعار” و”التفكر”، وأنت حين تُنكر على الباحث عن الحِكم، فأنت لاتحرمه فقط، بل تحرم نفسك كذلك من الوصول لتلك المعاني التي تُعطي الأفعال قيمتها.

 البحث والسؤال والعمل هو الطريق إلى الإيمان الراسخ، لذلك كان دعاء العارفين “اللهم عرفنا بك باحثين لا وارثين” لأن الإيمان لا يُوَرّث.

Advertisements

About Afnan Amer

A Medical Intern who likes to think of herself as curious, ambitious, and a Book worm with interest in documentaries and dependence To-Do lists. A believer in social responsibility and the volunteering culture. You were not taught how to talk to remain silent!
هذا المنشور نشر في فلسفة! وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s