خطة إخلاء..

عندما كنت في الخامسة من عمري، أخذتنا المدرسة في رحلة إلى أحد مراكز الدفاع المدني لنتعلم أساسيات السلامة ومواجهة الحرائق، وصدقوا أو لاتصدقوا، مازلت أذكر بعض التفاصيل -ولست أعني أن احدى صديقاتي كانت ترتدي قميصا أصفر بدلا من القميص الرسمي، إنما كيفية استعمال طفاية الحريق أيضًا-  ومازلت أذكر أنه اتيحت لنا جميعًا فرصة تجربة الطفايات على حريق صغير تم افتعاله لنتدرب على إطفائه.

وعندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، حظيت بفرصة أخرى لتكرار التجربة، وهذه المرة بمشاركة الهلال الأحمر أيضًا، فكانت دورة الإسعافات الأولية والانعاش القلبي الرئوي بالإضافة إلى التدريب على التعامل مع الحرائق وأنواعها المختلفة.

لكن، حين وصلت إلى الخامسة عشر -أو الصف الثالث المتوسط تقريبًا- حصل التماس كهربائي بسيط في إحدى مراوح الشفط في المعمل، مما أدى إلى انتشار الدخان بكثافة، بالإضافة إلى الإشاعة:

“حريقة!”

لكم أن تتخيلوا الوضع، وبرغم خطط الإخلاء الطارئ التي تم تدريبنا عليها عدة مرات، دب الهلع في نفوس الجميع، وبدأت الفوضى والصراخ…

لكن هذا الوضع لم يستمر إلا لدقائق نُفذت بعدها خطة الإخلاء إلى المباني الأخرى الآمنة، وتم استعمال طفايات الحريق للسيطرة على اللهب المشتعل، وإبعاد المواد القابلة للإشتعال عن المكان.. وتم استئناف الدوام في اليوم التالي وكأن شيئا لم يحدث لأنه ولله الحمد لم تكن هناك إصابات أو خسائر أو أضرار مادية.

لماذا أحكي هذه القصة؟

يوم أمس الأحد الـ 19 من نوفمبر 2011، وبينما نحن في وسط اختبار نصفيٍ ما، سمعنا إعلان الحالة الصفراء في المستشفى، الحالة الصفراء تعني الاستعداد لاستقبال كارثة خارجة -وأول ماخطر في أذهاننا كونه موسم الأمطار أنها أمطرت و”غرقنا” من جديد- لكن ماحدث في الحقيقة كان إعلان الاستعداد في عدد من المستشفيات استعدادًا لاستقبال الإصابات من حريق نشب في إحدى مدارس البنات في جدة نتج عنه عدد من الاصابات وحالات الوفاة، ومازالت الأرقام متضاربة، أكثرها ترددًاحالتي وفاة و42 إصابة حتى الآن مابين حروق وكسور وحالات اختناق.

لم يتم تحديد سبب الحريق بعد، لكن الخسائر لاشك مؤلمة..رحم الله المتوفين، وشفى المصابين، وربط على قلوب أهلهم وأحبتهم.

هل نحتاج دائمًا إلى كوارث وخسائر في الأرواح والممتلكات حتى نتعلم ونأخذ الحيطة والحذر؟ لماذا ليست لدينا خطط استباقية للحوادث، خصوصًا أن تلك الخطط الاستباقية تقلل من الخسائر بشكل كبير، ولاتعتبر مكلفة أو متعبة إلى حد بعيد -خصوصًا أن الأرواح لاتقدر بثمن- أجهزة الكشف عن الدخان وإنذار الحريق، والتي لايجب أن تتواجد في المدراس فحسب، وإنما يدرب الطلاب والطالبات على الاستجابة لصوتها والتعامل معه كإنذار حريق فعلا وعدم التفكير في أن هذه تجربة أو أن جهاز الانذار “معطل”!

إيجاد مخارج الطوارئ الموزعة على المباني بشكل كافِ ويسهل الوصول إليها بالإضافة إلى تركيب إضاءة الطوارئ للدلالة عليها في حالة انتشار الدخان او انقطاع التيار الكهربائي، وطبعًا لن تكون لهذه المخارج فائدة إن كانت مغلقة بالسلاسل والأقفال. ويفضل أن يكون هناك أكثر من طريقة للهرب من المكان، حتى إذا تعذر استعمال أحدهما أمكن استعمال الآخر.

تحديد نقاط للتجمع معروفة للطلاب والمعلمين مما يسهل معرفة الناجين والمحتجزين لتوجيه الجهود لانقاذهم

تدريب الطلاب والطالبات على خطط الإخلاء الذاتي، والتي تحتاج أن يكون تصميم بناء المدرسة مناسبًا أصلا لاستيعاب أعداد الطلاب الذين يجوبون أروقتها -مساحة السلالم، ارتفاع  النوافذ وسهولة فتحها لاستخدامها كمخارج في حالات الطوارئ لكي تنجح

طبعًا غني عن القول، وجود طفايات الحريق في أماكن يسهل الوصول إليها وتدريب الطلاب والطالبات على استعمالها استعمالًا صحيحًا

وجود أطقم الاسعافات الأولية لاستعمالها حين الحاجة في أماكن معلومة يمكن الوصول إليها سريعًأ

أن تكون صمامات الغاز، ومفاتيح الكهرباء والمياه في أماكن معروفة ويمكن إقفالها للحد من الأضرار

خطة الإخلاء يجب أن تُعد مسبقًا لتنفذ في أقل من 10 دقائق، وتكتب -أو ترُسم بالأصح- لتوضيح أقرب المخارج، نقاط التجمع وطرق الهرب، يجب أن يتدرب عليها الجميع ويتعرفوا على أرقام الطوارئ وأقرب المستشفيات التي يمكن الإسراع إليها في حالات الطوارئ..

هناك العديد من نماذج خطط الإخلاء والأمثلة عليها وشروطها حول الانترنت، بالنسبة لي، من أكبر الأمثلة على نجاح خطط الإخلاء وفعالية التدريب المسبق كانت في جاهزية الشعب الياباني في التعامل مع الزلزال العنيف الذي ضرب البلاد في مارس 2011 -اقرأ المزيد هنا-  ولأن استثمار الوقت والجهد والمال في وضع هذه الخطة، والتأكد من وجود طفاية حريق، وطقم اسعافات أولية في كل منزل ومدرسة لن يجعل من وقوع الحوادث أمرًا أقل رعبًا مما هو عليه حاليًا فقط، بل سيقلل الخسائر البشرية و سيحد من الأضرار والأحزان وسيمنح الضحايا الأُول بعض التقبل لما أصابهم لأن تضحاياتهم لم تذهب هَباءً..

أرجوكم، لانريد أن نرى هذه السيناريوهات تتكرر، ولانريد للأطفال أن يخافوا المدارس بالإضافة إلى خوفهم من المطر،

ابدأوا من الغد، إن لم تبادر مدارسكم بتدريبكم على خطط الإخلاء الطارئ، طالبوهم أنتم بذلك، قوموا بإعداد خطة إخلاء في بيوتكم، تعلموا الإسعافات الأولية البسيطة، والتعامل مع مختلف أنواع الحوادث المنزلية، هذا ليس من التشاؤم.. فأن تكون مستعدًا لشيء لن يحدث أفضل كثيرًا من أن يباغتك من حيث لاتشعر..

 ودمتم سالمين آمنين مطمئنين

Advertisements

About Afnan Amer

A Medical Intern who likes to think of herself as curious, ambitious, and a Book worm with interest in documentaries and dependence To-Do lists. A believer in social responsibility and the volunteering culture. You were not taught how to talk to remain silent!
هذا المنشور نشر في فلسفة!, أحداث و مناسبات وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

One Response to خطة إخلاء..

  1. Banan Bakhaidar كتب:

    فعلا..لازلت أتساءل: لو حصل أمر طارئ -لا سمح الله- إلى أين أتجه؟ حتى لو كنت سأثقف نفسي بنفسي، لا توجد هناك خرائط تبين الأماكن الآمنة ونقاط التجمع…وخطة الإخلاء الإفتراضية قام بها أفراد إدارة الأمن والسلامة..ولم نعلم:الأخطاء، المخاطر، ولا حتى الخطة المتبعة للإخلاء.
    نستودع الله أنفسنا وإخواننا..ودمتم بحفظ الرحمن ورعايته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s