مرة أخرى: أتعلمون أي حزن يبعث المطر؟

 

للجزء الأول من التدوينة: أتعلَمونَ أيُّ حُزنِ يَبعَثُ المطر؟

—–

الآن أفهم السياب أكثر مما فهمته من قبل!

فهذه المرة كنت في قلب الحدث!

—–

يوم الثلاثاء الـ 25 من يناير كان هناك عدد من التحذيرات من عاصفة مطرية شديدة على جدة مساءً، وكانت رشات المطر الخفيفة ترش بانقطاع طوال اليوم حتى توقفت وقت المغرب. بدأت السحب بالاختفء وقتها، لدرجة أن أبي قال لي وقتها أن علي التوقف عن نشر الاشاعات!

كان ردي عليه وقتها: مازال الليل في أوله!

لم أكن أعرف وقتها كم سيكون مدى صحة العبارة!

—–

كنت قد نويت يومها أن أقضي الليل في الدراسة لاختبار علم الأدوية والذي كان موعده مقررا ليوم السبت، بدأت تنفيذ هذه الخطة في الواحدة صباحًا من فجر الأربعاء واستمريت حتى قطعت داستي على صوت هطول الأمطار والتي بدأت منذ الساعة الثالثة والنصف صباحا..

توقفت وقتها عن الدراسة وبدلا من ذلك بدأت في تأمل الأمطار من نافذة غرفة الجلوس . بدأت الأمطار تشتد، وبدأ ما نسميه بـ “شلال بيت الجيران” بالتكون وهو عبارة عن ماء المطر الجاري بقوة على درجات مدخلهم..

لم يستمر المطر طويلا بتلك الشدة، وبدأ بالتقطع وتوقف تقريبا عند الساعة السادسة تقريبا وذهبت وقتها إلى النوم..

——

صباح الأربعاء،استيقظت فزعة على صوت المطر -وهو مالا يحدث عادة، حيث أني لا أسمع شيئا حين أكون نائمة =_=! – وبدأت جولة تفقدية للمنزل حيث أن الجميع إما في دواماتهم أو اختباراتهم، ومن رحمة الله أنه لم يكن عندي اختبار يومها في الجامعة..

يمكنكم أن تتعرفوا على ما حدث في الجامعة يومها من تدوينات من كانوا من المحتجزين هناك:

مدونة أتريد قهوة؟
وادي الجامعة ..وتحيةٌ للبِطانة الفَاسدة

مدونة هيكاري – hekary1
إني أغرق

مدونة تونا جاوية بنكهة يابانية

تونا جداوية بنكهة بكائية !

عالم آخر
رواية اسمها مطر

من:

مدوّنون غارٍقون يَرْوُون حِكاياتهم

 

لم يكن هناك أي تسرب لماء المطر إلى داخل المنزل بحمدالله حيث أننا تعلمنا من المرات الماضية وحاولنا تدارك الموضوع..

في الساعة العاشرة صباحا عاد اخوتي من مدارسهم ولله الحمد ، وتصادفت عودتهم إلى المنزل مع اشتداد المطر أكثر وأكثر..

——

برغم شدة المطر، إلا أن أختي اخبرتني بأنه مازال خفيفا حولنا مقارنة بوضعه وهم في الطريق أو حينما كانت في المدرسة، وحين بدأت بوصف الشوارع والطرقات لم تجد إلا أن تصفها بالبحر!

مع العلم بأن طريق العودة التي تصفه يمر بشارع التحلية وشارع الأمير سلطان وقد كانوا متجهين شمالا..فلكم أن تتخيلوا كيف كان الوضع في المناطق الأكثر جنوبًا

—–

بدأت الاتصالات الهاتفية القلقة: أمي تتصل من المستشفى حيث تعمل، لتخبرنا بأنه تم إعلان الوضع الأصفر

(code yellow)

والذي يرمز إلى كارثة خارجية أو أوضاع جوية سيئة على المستشفى الاستعداد لاستقبال آثرها

وأن علينا أن نتأكد بأنه لا مياه تتسرب من النوافذ أو حول فتحات التكييف

يتصل أبي من عمله: كيف وضع المياه عندكم؟

تتصل عماتي من المدينة المنورة: ليطمأنوا على سلامتنا

تتصل خالة أبي من المدينة أيضا لتطمئن

جدتي تتصل: لتطمئن أن جميعنا في المنزل وبخير

مرة أخرى لم نفهم سبب هذا القلق، فالمطر وإن كان شديدا إلا أنه مازال مقبولا في منطقتنا -التي يبدو أنها احد المناطق القليلة التي لم تغرق-.. حتى وردنا اتصال من أمي!

بدأت تمطر داخل المستشفى كما تمطر خارجها!

الدفاع المدني يحذرهم من الخروج من المستشفى!

والمرضى لا يستطعون الوصول إليهم!

خالها وزوجته التي تعمل في نفس المستشفى حاولوا الخروج وعلقوا في مياه المطر مما اضطرهم للتخلي عن السيارة ومحاولة العودة إلى بيتهم سيرا على الأقدام

وابنة خالها الآخر مازالت عالقة في الجامعة بعد أن ذهبت لحضور اختبارها هناك

——

في وقت الظهيرة علمنا أن أمي عالقة في طريق العودة إلى المنزل! الطرقات إما مزدحمة جدا أو مغمورة بالمياه جدا لدرجة أن السيارة لا تستطيع عبورها برغم ارتفاعها

ولأن سيارتنا الأخرى مازالت معطلة بسبب الأمطار التي هطلت قبل اسبوعين فإننا نعرف أنه ليس هناك مجال للمغامرة،فالعواقب غير مأمونة أبدا كما عشنا بأنفسنا

بدأت الأخبار تتوالى: زوج خالتي لا يستطيع الدخول إلى جدة للعودة إلى منزله

أحد أقاربنا الذي يعمل في الجامعة مازال عالقا هناك، هو وابنتاه (كل على حدة)

منزل اقاربنا الآخرين أصبح جزيرة معزولة وبدون كهرباء أيضا!

وعدد من أقاربنا لم نستطع التواصل معهم بسبب تعطل هواتفهم

—–

ساعات من القلق: أمي مازالت عالقة!

نتصل بها كل 5 دقائق، ونحاول أن نسأل و نبحث لها عن طرق سالكة

نتابع الاخبار عن طريق تويتر، وعن طريق العائلة والاصدقاء

ويزداد القلق، ندور في المنزل حول أنفسنا في دوائر، كل منا يمسك بهاتفه يطمئن تارة على أمي

وتارة أخرى على أهلنا العالقين..

صديقاتي، منهم من دخلت المياه إلى بيوتهم ودمرت الاثاث

ومنهم من لازال يحاول الاتصال بمن فقد من أهله والآخرون في ظلام دامس وقلق شديد بسبب اختلاط مياه الشرب في بيوتهم بمياه الصرف الصحي والأمطار

—–

أذن المغرب، أمي مازالت عالقة في الطريق من الظهيرة

ومازلنا لا نسطيع الاتصال ببعض أفراد العائلة..

عرفنا ان البعض مازال محتجزا في الجامعة، وآخرون طمئنونا انهم بخير لكنهم لايستطيعون مغادرة أماكنهم أو انهم لاجئون في لأصدقائهم..

—–

وصلت أمي بحمد الله بعد المغرب بقليل، وعندما بدأت تحكي لنا ما شاهدته في طريقها

شيء مفجع! اشخاص يسيرون على أرجلهم، سيارات متوقفة تركها اصحابها للنجاة بحياتهم

وأمواااااااج !

—–

بعد منتصف الليل تطمنا بحمدالله على بقية أقاربنا.. البعض انقذه الدفاع المدني

والبعض قرر المبيت في مقر عمله إيثارا للسلامة

بقيت احدى قريباتي التي قضت الليل في السكن الجامعي وقد وصلت الى بيتها في ضحى اليوم التالي

——

حاليا أمي تفكر في شراء قارب مطاطي والاحتفاظ به في السيارة لمثل هذه الظروف!

فكما يقولون ” اللي يتلسع بالشربة ينفخ في الزبادي

وأنا أعرف أي حزن يبعث المطر!

اتخيل الاطفال الذي امتلئت بيوتهم بالأمطار كيف شعورهم؟ أو الذين احتجزوا مع أهلهم لساعات وساعات إما في السيارات أو عند عوائل استضافتهم؟

كيف سيكون شعور الأمهات كلما هطل المطر؟ كيف سيكون شعور الآباء الذين قضوا اليوم قلقين على ابنائهم وبناتهم المحتجزين بعيدا عنهم؟

كيف سيكون شعور من قضوا أكثر من 24 ساعة بدون أي وسيلة اتصال أو طعام أو وجه مألوف ودون أن يعلموا متى سيعودون؟

 

ختمت التدوينة الماضية بـ سامح الله من كان السبب..

هذه المرة سأقول: جازى الله من كان السبب! لأن التحذيرات من الأمطار أُعلنت قبل فترة، وليست بأول مرة يتكرر فيها الحدث، ويفترض ان لدينا بعض الخبرة في التعامل مع الأمطار والسيول..

و من غير المعقول انه في كل مرة تهطل الامطار في جدة نغرق، وتتوقف الحياة تماما، وتبدأ التحذيرات وعمليات الإخلاء!  وتغمر السيول الشوارع، وتزهق الأرواح، ويفزع الناس. من المعيب جدًا ألا نستطيع التعامل مع عدة ساعات من الأمطار- المتوقع هطولها مسبقا- وأن تكون بنيتنا التحتية مهترئة إلى هذه الدرجة! أي مدينة -يحترم مسؤوليها أنفسهم- يتكرر فيهانفس الحدث لثلاثة أعوام متتالية (1430 ذو الحجة – 1431 ذو الحجة – 1432 محرم)؟

أعتقد أن جدة تستحق اعتذارًا من مسؤوليها! فعروس البحر الأحمر لم تعد عروسًا..

و كل مطر وأنتم و جدة بخير..

Advertisements

About Afnan Amer

A Medical Intern who likes to think of herself as curious, ambitious, and a Book worm with interest in documentaries and dependence To-Do lists. A believer in social responsibility and the volunteering culture. You were not taught how to talk to remain silent!
هذا المنشور نشر في أحداث و مناسبات وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to مرة أخرى: أتعلمون أي حزن يبعث المطر؟

  1. Wail Yar كتب:

    عِشْتُ حالاً مماثلاً .. لأعود وأعيشه هنا مرةً أخرى بين ثنايا قصتك ..
    سأنتظر اليوم الذي سأغرد فيهِ قائلاً .. وأي أملٍ تبعث فيني أيها المطر ؟

    الحمدلله على سلامتهم أجمعين ..
    وحفظك المولى لهم .. وحفظهم لك ..

    شكراً لك ..

  2. Banan Bakhaidar كتب:

    الحمد لله على كل حال
    أختي بدأت تضع أفكارا إحتياطية بأخذ كتافات للجامعة وطرق ذكية أخرى لم أنتبه لها وهي تسردها..
    حين ينهمر المطر نسعد برحمة الله..لكن كل عام يزداد الحزن الذي يبعثه المطر
    حفظك المولى وأحبابك من كل سوء

  3. التنبيهات: مدونات أخرى ترثي جدة في أمطارها | Other Blogs Talking about Jeddah « jeddah Rain | أمطار جدة

  4. بسسسمه كتب:

    الحمد لله على سلامتكم …
    ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

  5. حمدا لله على السلامة ورحم الله من فقد في هذا المطر التعيس

  6. Afnan Amer كتب:

    الله يسلمكم جميعًا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s